عالم التصوير والمعرفة - ربما ينتهي حفل عائلي أو رحلة قصيرة استغرقت بضع ساعات، بآلاف الصور التقطتها كاميرات رقمية وهواتف ذكية، ويأمل كثيرون أن يساعدهم التقاط الصور على تذكر تفاصيل الأحداث المهمة في ما بعد، وأن تمكنهم الصور من استعادة لحظات السعادة بمجرد النظر إليها.

لكن دراسة حديثة، أجراها باحثون في جامعة «فيرفيلد» الأميركية، رأت أن ولع الأشخاص بالتقاط الصور لأحداث حياتهم قد يؤثر في قدرتهم على تذكرها في ما بعد، مشيرة إلى أن الاهتمام بالتقاط الصور بدلاً من التركيز على ما متابعة المشهد وملاحظته، يحول دون ترسخ الذكريات في الأذهان.

ووصفت الدكتورة ليندا هنكل، التي شاركت في الدراسة، ذلك بالضعف الناتج عن التقاط الصور، لافتة إلى أنه في كثيرٍ من الأحيان، يُخرج الأشخاص كاميراتهم لالتقاط الصور دون وعي، لدرجة أنه يفوتهم الانتباه لما يجري أمامهم مباشرةً، ليصبح التقاط الصور لدى البعض أكثر أهمية من المشهد نفسه.

وأشارت هنكل إلى أن اعتماد الأشخاص على التقنية لتتذكر بالنيابة عنهم، وتعويلهم على الكاميرات لتسجيل أحداث حياتهم، يدفعهم إلى عدم التركيز فيها، ويمكن أن يُحدث ذلك تأثيراً سلبياً في قدرتهم على تذكر تجاربهم الشخصية.

واعتمدت الدراسة، التي نُشرت نتائجها في مجلة «العلوم النفسية»، على تجربتين في متحف «بيلارمين» للفن في جامعة «فيرفيلد»، للتحقق من دور التقاط صور للمعروضات الفنية في مساعدة أو إعاقة الزائرين على تذكر ما رأوه، وشارك في التجربة الأولى 28 من طلاب الجامعة، وفي الثانية 46 طالباً، وفي الحالتين كان أكثرهم من النساء ــ وربما يؤثر ذلك في قبول نتائج الدراسة بالكامل، لاختلاف الطلاب والمعروضات في التجربتين.

وطُلب من المشاركين في المجموعة الأولى، ولم يسبق لثلثهم زيارة المتحف من قبل، مشاهدة 30 قطعة فنية تنوعت بين لوحات مرسومة وأعمال فخار ومجوهرات، وطلب الباحثون من بعضهم مشاهدة كل قطعة فنية لمدة 20 ثانية، وقراءة اسمها بصوتٍ مرتفع والتقاط صورة لها، بينما طُلب من البقية مشاهدة كل قطعة 30 ثانية دون التقاط صور.

وفي اليوم التالي، خاض المشاركون اختباراً للذاكرة، وطُلب منهم كتابة أسماء جميع المعروضات التي يتذكرونها، والإشارة إلى المعروضات التي التقطوا صوراً لها، كما وصفوا القطع الفنية التي يتذكرون مشاهدتها دون أن يتمكنوا من تذكر اسمها.

وتضمن الاختبار تحديد أسماء المعروضات الفنية التي يتذكرونها من بين قائمة أسماء، وتحديد أيها التقطوا الصور لها، وأيها لم تشمله جولتهم في المتحف، كما أجاب المشاركون عن أسئلة تناولت تفاصيل المعروضات.

أما التجربة الثانية، فشاهد المشاركون 27 قطعة فنية، ومنحوا 25 ثانية لمشاهدة كلٍ منها، مع وقت إضافي للتصوير، وطُلب من بعضهم التقاط صور مكبرة لأجزاء معينة من المعروضات. وتضمن اختبار الذاكرة في اليوم التالي تحديد أسماء المعروضات الفنية التي شاهدوها من بين أسماء تضمنتها قائمة، وتذكر القطع التي شاهدوها فقط أم التقطوا لها صوراً، وإجابة سؤالين عن تفاصيل فنية.

وأظهرت نتائج التجربة الأولى أن المشاركين الذين التقطوا الصور للمعروضات الفنية كانوا أقل دقة في تذكر المعروضات، مقارنة بالمشاركين الذين أمضوا الوقت في ملاحظتها، كما تراجعت قدرتهم على تذكر تفاصيل المعروضات.

وكانت النتيجة ذاتها في التجربة الثانية، لكن مع استنتاج إضافي مثير للاهتمام، إذ ساعد التقاط صور مكبرة لأحد أجزاء القطعة الفنية «زووم إن» المشاركين على التذكر، ليس فقط لهذا الجزء تحديداً بل للقطعة الفنية بأكملها.

وفسرت هنكل ذلك بأن التقاط صورة مكبرة لأحد الأجزاء يلفت الانتباه البصري للشخص تجاه هذا الجزء، كما يدفع أيضاً للتفكير في العنصر أو القطعة ككل. وبعبارة أخرى غالباً ما يُساعد قضاء مزيد من الوقت في ملاحظة المشهد ومتابعته وتكبير أحد أجزائه على تذكره، وهو ما يحدث أيضاً عند ملاحظة المشهد بعناية دون وجود كاميرا. وفي الوقت نفسه، لا يمكن قبول نتائج الدراسة بالكامل لعددٍ من المحاذير، منها العدد القليل للمشاركين، ومراعاة التوازن بين الجنسين، والعوامل الديموغرافية الأخرى مثل المرحلة العمرية.

ويُضاف إلى ما سبق دور العلاقة الشخصية بموضوع الصور، فعلى سبيل المثال إذا ما طُلب من شخص فتح 20 نافذة جديدة في متصفح الإنترنت والتقاط صور لبعضها، فمن المرجح أن يتذكر المقالات أو المواقع التي يرغب في قراءتها، أو تلك التي تتضمن عناوين وصوراً تهمه.

وتعمل هنكل حالياً على اختبار تأثير محتوى الصورة على قدرة الشخص على التذكر، فضلاً عما يحدث في حال تضمنت الصورة الشخص نفسه، وأشارت إلى اختلاف الدراسة عما يجري في الحياة اليومية، إذ طُلب من المشاركين التقاط صور لعناصر معينة دون أخرى، بينما المعتاد أن يلتقط الأشخاص الصور لما يعنيهم ويرغبون في تذكره في ما بعد.

وفي نهاية المطاف، يبقى أنه علينا منح أنفسنا الفرصة والوقت لتأمل المشهد قبل المسارعة بالتقاط الصور فقط، والاطلاع على الصور لاستعادة الذكريات وليس الاكتفاء بجمعها وتكديسها، ففي الماضي وقبل شيوع الكاميرات الرقمية دأب الناس على طباعة الصور ثم تنظيمها في ألبومات مختلفة، والالتفاف حولها للحديث عن ذكرياتها مع الآخرين، الأمر الذي تغير مع الكم الكبير وغير المنظم من الصور الرقمية التي قُدر عددها العام الماضي بثلاثة مليارات صورة.

Post a Comment

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف

أحدث أقدم