بعد توافر آلات التصوير الذكية وبرامج معالجة الصور، أصبح التصوير الفوتغرافي في متناول الجميع، بعد أن كان حكراً على المتخصصين فقط . ويثير ذلك تساؤلات منها: هل ألغت تلك البرامج الإبداع؟ وهل يعد من يستخدمونها فنانين ومبدعين، أم مجرد مستخدمين للتكنولوجيا؟ كيف يمكننا أن نحكم على مصور يستخدمها؟ حصلنا على أجوبة لكل هذه الأسئلة وغيرها عبر التحقيق التالي:

رأى أديب العاني، رئيس اتحاد المصورين العرب، أنه مهما كانت الآلة تملك مزايا، لا تستطيع أن تتحكم في عنصر الإبداع في مجال التصوير أو غيره من الفنون . وقال: نعتمد في مجال عملنا على جانبين مهمين، وهما العين الذكية للمصور، وذاكرته المتجددة، ويمكن أن يحصل المصور على صورة رائعة بحس فني ناجح رغم أنه يستخدم كاميرا بسيطة في الوقت الذي يفشل فيه مصور آخر في الحصول على صورة جميلة رغم استخدامه كاميرا حديثة، لذلك لا بدّ أن يرى المصور ما لا يراه الآخرون، وهذا لا يمنع أن نستفيد من الكاميرات الحديثة والعدسات ذات الدقة العالية في اختصار المسافات والاستعانة بها في تسهيل بعض الخطوات أثناء التصوير وبعده .

وأضاف: أنا ضد الإكثار من استخدام المؤثرات، وفي مسابقات التصوير لا يحبذ استخدامها أكثر من 15% كي لا تفقد الصورة ملامحها الطبيعية، وكي لا تتحول إلى لوحة تشكيلية نتيجة إجراء إضافات كثيرة عليها، لذلك فإن الكثير من المصورين يحاولون أن يعالجوا صورهم معالجة أولية قبل التقاطها بالتركيز على الخطوات الصحيحة في التصوير، وهذا لا يمنع إجراء بعض الإضافات البسيطة عليها، كي لا تمر بالمؤثرات والبرامج التي تفقد الصورة روحها ورونقها، وهناك صور جميلة تدمرها هذه البرامج عبر تعديلها المبالغ فيه .

واختتم حديثه بقوله: المصور البارع هو الذي يستطيع أن يستثمر اللحظة التي لا تتكرر بإمكاناته المالية المتاحة، سواء بآلة تصوير حديثة أم بسيطة، وفي النهاية فإنه على المصور أن يعطي الكاميرا كي تعطيه، وهناك أسماء يحترمها الكل في هذا المجال، لأنها أثبتت حضورها في الساحة الفوتغرافية .

بحسب سعيد الشامسي، مدير عام دار ابن الهيثم للفنون البصرية، فإن التقنيات المكملة في التصوير الفوتغرافي كفن، هي كل البرامج التي تساعد على إخراج صورة بشكل فني، ولا بدّ أن تكون الإضافات ضمن عمل المصور، بحيث لا يضيف عليها عناصر خارجية . لذا، لا يتخوف الشامسي من البرامج المكملة لعمل المصور، لأنه مع ظهور الكاميرات الرقمية وقف الكثير ضدها، وفي النهاية تبين أنها مفيدة بالفعل وتم الاعتماد كاملاً عليها .

وقال: بحكم مهامي كمحكم دولي، هناك جزئية “الإبداع” التي نأخذ بها في المسابقات الدولية للتصوير، وهي خاصة بتعديل الصور، شرط أن تكون من عمل المصور نفسه، مثل المناظر الطبيعية والحياة البرية، والغاية منها ألا تظهر الصورة جامدة، لأن العالم يتجه إلى الصور الفنية بالتقنيات والبرامج التكنولوجية . ويوجد في العالم ملايين المصورين، ولا يستوقفنا صورهم، لأنه ليس كل مصور فناناً، ويعتمد ذلك على الطريقة التي اتبعها كل شخص لدى دخوله هذا المجال والطريقة التي التقط بها الصورة، وفي مسابقات التصوير، يمكن أن يشارك فيها آلاف الصور وفي النهاية نحصل على أربع أو خمس صور بارزة وتستحق أن تفوز بالجائزة، ويمكن التمييز بين الصور التي يلتقطها الهاوي، والهاوي الجاد، والمحترف .

وأضاف: آليات التصوير في الوقت الحالي، تحولت إلى جهاز رقمي وكمبيوتر مصغر لتعديل الصور، لذلك فإن الصور التي نشاهدها ليست نفسها على أرض الواقع بألوانها ودقتها بل الكاميرا تقوم بذلك، عبر تعديلها وإضافة إضاءة ودرجة الحدة والتشبع .

رغم أنها تعد نفسها من المدرسة القديمة في التصوير، أوضحت نادرة بدري، مسؤولة شؤن المسابقات والمعارض في اتحاد المصورين العرب، ومسؤولة البرامج والأنشطة في دار ابن الهيثم للفنون البصرية، أنه لا بدّ من البرامج الاحترافية في التصوير، لكن بحدود معقولة، لأنه مع استخدامها بشكل كبير نخرج من مفهوم التصوير الضوئي إلى الفنون الحديثة، أو ما يسمى بالتلاعب بالبرامج الرقمية .

وقالت: سابقاً كانت هناك طرق أخرى للتعامل مع الصور، والتكنولوجيا استعاضت عنها ببرامج يمكن تنزيلها على الكمبيوتر وسهلة الاستخدام، ويمكن لأي شخص أن يقتنيها ويستخدمها لتعديل الألوان والتباين . والصورة المأخوذة بعناية لا تحتاج إلى إضافات وتعديلات كثيرة، بل تطرأ عليها تغيرات بسيطة، وخبراء التصوير والتصميم يستطيعون التمييز بين الصور التي تحمل إضافات كثيرة وغيرها، لذلك يجب استخدامها بحدود وأن تكون الصورة طبيعية وتعكس ما تراه العين، وليست عدسة كاميرا فقط . وهناك صور لا تحتاج إلى أية إضافات، وهناك مصورون يرفضون التعامل معها، لكنهم يحتاجون إلى تركيز أكبر أثناء الإعداد والتقاط الصور، مثل التركيز على الإضاءة ونوعها ومكان التصوير، ويتحكم بذلك نوع الكاميرا وجودتها .

وأشارت إلى خاصية دمج صورتين أو أكثر في صورة واحدة لتقديم فكرة معينة، وأوضحت أنها تصنف ضمن التصوير الفني الرقمي الحديث، ورغم أنها كانت موجودة منذ السابق، فإن استخدامها كان قليلاً، ولم تكن تمتلك التقنيات ذاتها التي نلاحظها الآن في الدمج .

وجد نصر نصرالله، فنان تشكيلي وعضو في مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أن استخدام المصور البرامج الاحترافية، مثل “الفوتوشوب” لتغيير الصور لا يضر لو كانت تخدم الهدف الذي يسعى لإبرازه، مثلها مثل عمل الفنانين التشكيليين الذين منهم من يرسم مباشرة على اللوحة بالألوان، وآخرون يطبعون الصورة على الكمبيوتر باستخدام برامج الكمبيوتر خاصة قبل التعامل معها كلوحة .

وقال: بالنسبة إلى مجال الرسم وقف بعضهم ضد ألوان “الأكرلك” في بداية ظهورها ولكنه تم اعتمادها حالياً، وفي النهاية كلها أدوات مثل الأدوية التي يفيد استخدامها طبقاً للجرعة المطلوبة، وهي ضرورية ولا تقلل من قيمة الإبداع .

تأكيداً على فكرة أن استخدام التكنولوجيا تزيد من فرصة الإبداع أضاف: المصور هدفه أن يبرز جمالية الصورة أو فكرة معينة من خلالها، ومثلاً عرض صورة عن التلوث البيئي لا بدّ أن يكون فيها ضوضاء ودخان يتم ادخالهما عبر البرامج التخصصية تلك .

ارتبطت عفراء المرر، موظفة في بلدية المنطقة الغربية، بالتصوير كهواية، وطوّرت أدواتها في تصوير الحياة الطبيعية، بخاصة الرمال . وعن العلاقة التي تربطها بتقنيات معالجة الصور بعد التصوير قالت: لا يختلف اثنان على أنها تقنيات مفيدة، ورغم فائدتها قد تخرب الصورة وتعطي نتائج عكسية لو لم نستطع توظيف الفكرة بالطريقة المطلوبة، لذلك لا أحبذها، بدليل أنني ضعيفة في استخدامها، ولو لجأت إليها يكون ذلك بنسبة بسيطة، لإضفاء بعض الإضافات الطفيفة، كي تزيد جمالية الصورة .

وكي تعوّض عدم استعانتها بتلك البرامج أضافت: أركز كثيراً على الصورة التي أريد أن التقطها، فقبلها أضبط اعدادات الكاميرا جيداً وأحصل على الصورة المطلوبة، لذلك لا أحتاج إلى تقنيات ما بعد التصوير، إلا أن كان فيها خلل بسيط خارج عن إرادتي والكاميرا، لذلك أجري عليها بعض الإضافات البسيطة .

تعلق علي جمال، مصور هاو، بالتصوير منذ عام 1989 ويرى أنه من الطبيعي التعامل مع هذه الصورة بأدوات حديثة، لتساعد المصور على إبراز فكرته أو قضية معينة، لذلك أرى أن برامج تعديل الصور جزء مكمل للتصوير .

وأضاف: الإبداع يبدأ من المصور نفسه، ولو كان مبدعاً لا أعتقد أن أية تقنية جديدة بإمكانها أن تضيف على إبداعه أكثر من 20% والنسبة الكبيرة الباقية تبقى لمصلحة إبداعه ونظرته الفنية في تناول الصور . وبالنسبة لي أستعين بالتقنيات بنسبة محدودة، ولكن بعض الشباب الهواة يعتمدون عليها بشكل مبالغ، لكنها لا تسعفهم كل مرة في إعادة هيكلة صورة تم التقاطها بطريقة خاطئة، لذلك فإنهم يتعثرون كثيراً . ورأى وجد أنور حسني، مصور هاو، أن توافر الكاميرات في الهواتف النقالة الذكية، زاد من إمكانية التصوير لدى أي شخص يحمل هذه الأجهزة، خاصة مع توافر تقنيات تعديل الصور وتغيير ملامحها، وقال: من هنا انطلقت بشغفي نحو التصوير وتطورت العلاقة أكثر مع امتلاكي كاميرا حديثة والتردد على المناطق الطبيعية لالتقاط الصور .

وأضاف: كي أعطي انطباعاً أجمل عن الصور التي التقطها، وجدت أن إجراء بعض التعديلات عليها يزيدها جمالية، لذلك أستعين ببعض البرامج الاحترافية التي تعلمتها عن طريق مواقع إلكترونية وتقدمت خطوة بخطوة فيها إلى أن وصلت لمرحلة جيدة .

واختتم حديثه بقوله: أشارك في مسابقات التصوير، ورغم عدم حصولي على أية جوائز إلى الآن، لم يصبني اليأس، بل زادني الأمر إصراراً على المضي في هذا الطريق واستخدام أية تقنية أطوّر عبرها امكاناتي في التصوير .

Post a Comment

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف

أحدث أقدم